القلب معمّر والراس مدمّر

اذهب الى الأسفل

القلب معمّر والراس مدمّر

مُساهمة  البخاري في السبت فبراير 14, 2009 3:36 am

قصر البخاري- بوغار- خربة هلال

القلب معمّر والراس مدمّر

كانت أولاد هلال ساعتها تصنع الحدث، وأهلها يعانون من الأوضاع القاسية جيث يعيشون في الشتاء البارد حد التجمد، تلك المنطقة التي سكنها ''بنو هلال'' منذ مئات السنين، وكادت تصبح منطقة خالية مع المعاناة التي عاشوها في العشرية الماضية، لكنهم مازالوا يعيشون محنا أخرى بعد تراجع خطر الجماعات المسلحة·· كنا في قصر البخاري نود الذهاب إلى تلك البلدية التي كانت تابعة لها قبل أن تضم إلى أولاد عنتر بمقتضى التقسيم الإداري لسنة 1991، وفي البدء كان البحث عن كلوندستان·

روبورتاج: الخير شوار

انطلقت سيارة بيجو 504 بسرعة في المساء وكانت الوجهة خربة هلال التي لم نكن نعرف عنها شيئا، وكان أحد الراكبين معنا الذي لا أعرفه يتكلم بجرأة قائلا:'' يا خويا الاستقلال مازال ماديناهش·· الماء مازال نملوه على الدواب···والبطالة عاملة عملتها''، ولما سألته ماذا يشتغل أخبرني بأنه يعمل حمّالا مثل الكثيرين من أقرانه في البليدة أحيانا وفي الجزائر العاصمة أحيانا أخرى·· ولما ساد الصمت طلبت من الكلوندستان واسمه عبد الحق أن يشغل جهاز الكاسيت، وكم كانت دهشتي عندما سمعت أغنية سطايفية ونحن نقترب من بوغار، ولما سألت: هل تستمعون إلى ذلك النوع من الغناء؟، قال بأن الكاسيت تركها أحد الجنود من زبائنه الذين يتنقلون معه في تلك المناطق المليئة بالثكنات العسكرية·

''اللي ماجوزش العسكر في بوغار··''

أخذت الطريق تتعرج أكثر وكأنها تصعد وكنت أفكر في رواية ''الدروب الصاعدة'' لمولود فرعون عندما وصلنا إلى بوغار، تلك المنطقة التي تبنت قول العقيد الراحل هواري بومدين فحواه: ''اللي ماجوزش العسكر في بوغار ما يتسماش عسكري''، وكنا نرى من بوغار سورا كبيرا قيل بأنه يعود إلى زمن التواجد العثماني التركي في الجزائر، وكان هناك في أقصى الصورة فلاح يحرث أرضه بمحراث خشبي تقليدي يجره حماران، وكنا نحس بالصعود أكثر فأكثر على مستوى سطح البحر والغابة المحيطة بالجبال تزداد كثافة كلما تقدمنا أكثر، وكان حديث أهل المنطقة داخل السيارة يبعث على اليأس والصورة قاتمة جدا عندما ينتقل بعضهم من الحديث عن المعاناة الكبيرة أثناء العشرية الدموية إلى الواقع الحالي مختصرا إياه في جملة واحدة: ''اللي تركها الإرهاب كملوا عليها المسؤولين''، كنا نتقدم وعندما يسود الصمت تنبعث كلمات الشريط السطايفي قائلة في بعض مقاطعها: ''ما تتقلقش على خالي·· خليني نريفل أحوالي''، وعندها التفت إلى الهاتف وجدت التغطية منعدمة·· استفسرت عن الأمر فقيل لي بأنه انطلاقا من تلك النقطة لا توجد تغطية إلا لشركة واحدة لم أكن أملك اشتراكا فيها، فقررت أن أشتري شريحة جديدة لتلك الشركة فور وصولي إلى خربة هلال المنتظر أن نبيت فيها·· كنت أنظر إلى مدرسة تبدو من بعيد عندما أخبرني مرافقي أنها مغلقة منذ سنين مثلها مثل الكثير من المدارس التي سنصادفها في طريقنا إلى أولاد هلال وأن أطفال تلك المناطق النائية يتنقلون في ظروف صعبة جدا إلى مناطق بعيدة من أجل الدراسة في الابتدائي أو الإعدادي، كان ذلك في منطقة تسمى ''سبعة رقود'' التي تسمى وفق أسطورة منتشرة في الكثير من المناطق بنفس التسمية ونفس الحكاية تعاد في كل منطقة، فقيل لي بأن ذلك المكان اشتهر بالحواجز الأمنية المزيفية منذ سنين، وقد هلك فيه الكثير من العابرين، ثم وصلنا إلى بداية دائرة أولاد عنتر وبدت الطريق مليئة بالحفر، وقال لي عبد الحق الكلوندستان أن ذلك المكان يذكره بامرأة كانت في المخاض ونقلها في سيارته متجها إلى قصر البخاري حيث المستشفى، لكن المخاض سبقها وولدت في الواحدة صباحا في ذلك المكان·· كان الوقت يمر والصور تمر وكانت هناك مدرسة أخرى مهجورة وقبة من بعيد قيل لي بأنها لولي صالح اسمه ''سيدي علي'' الذي تقام له هناك وعدة سنوية في وقت الربيع يأتيها الناس من كل مكان وتقام فيها ألعاب الخيل وتذبح الذبائح ويطلب كل حاج طلبه لعله يتحقق·

''مرحبا بكم في ألمانيا''

عند مدخل أولاد عنتر كان كل مرافقي وهم من خربة هلال يشيرون إلى الدائرة التي ينتمون إليها ويقول بعضهم: ''شوف هذا الدوار يصلح يجي دائرة؟''، ليضيف الآخر قائلا: ''عملوها دائرة بالذراع''، ويؤكد أن المنطقة كلها كانت تابعة لدائرة قصر البخاري قبل أن يأتي تقسيم 1991 الإداري زمن رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، عندما قرروا زيادة عدد الدوائر ووقع الاختيار على أولاد عنتر التي مازالت -حسبهم- تفتقد لأدنى مقومات الدائرة الحقيقية، ويؤكد آخر أن تلك الدائرة لا تتوفر على حقل التغطية للهاتف النقال ولكل الشركات لحد الآن، وكان شريط الكاسيت يدور وكانت كلمات الأغنية حينها تقول '' القلب معمر والراس مدمر·· خليها على الله هو اللي يدبّر''، وعن الوحدات الصناعية الموجودة في المنطقة يؤكد أحدهم أن المنطقة كانت في السابق تتوفر على وحدة صناعة الورق تابعة للقطاع الخاص أغلقت بعد ذلك زمن ''الإرهاب''، وكان الضباب يتشكل كثيفا ونحن بُعَيد الساعة الرابعة مساء بقليل، كان ذلك عندما وصلنا إشارة في الطريق تقول بأننا على ارتفاع 1200 متر على سطح البحر، ليخبرني مرافقي بأن الحد سيصل إلى 1700 متر ارتفاع في بعض المناطق الموجودة في الناحية·· كانت تلك اللافتة في منطقة اسمها بارّين وهو الاسم الذي جعل البعض يشبهها مرة بـ''لابيرين'' بالجزائر العاصمة ومرة بـ''البيرين'' المدينة المعروفة بالجلفة وحتى برلين العاصمة الألمانية، وكان السائق يقول مازحنا: ''مرحبا بكم في ألمانيا''·

تقدمنا أكثر في الطريق إلى خربة هلال وكانت المشاهد تتوالى·· مدرسة أخرى مهجورة·· منبع ماء·· شاب بحماره يريد ملء الخزان الذي يحمله بالماء، كانت هناك أبقار ترعى وأكواخ متناثرة على مد البصر في أرض مبللة وفوقها كتل ضبابية، ثم إشارة في الطريق تقول بأننا على ارتفاع 1321 متر على مستوى سطح البحر·

كرمة شيحة·· والجازية

تجاوزت الساعة الرابعة مساء بقليل عندما وصلنا ''كرمة شيحة'' وهي قرية صغيرة جدا يوجد بها مقر بلدية أولاد هلال، وهي التسميات التي تذكرنا بالسيرة الهلالية·· عندما وصلنا إلى ذلك المكان لفتت أسماء الأمكنة انتباهي، فكل شيء يشعرك بأنك تتأهب لدخول كتاب ''سيرة بني هلال''، وفي كرمة شيحة كنت أنظر لعلي أجد ''كرمة'' هرمة لأتخيل شيحة أخت ذياب بن غانم وصديقة الجازية هناك·· كنت أتخيلها رفقة الجازية تجلسان هناك في البرد وتتكلمان عن ذياب وأبي زيد وحسن بن سرحان ومغامراتهم·· وكنت أسأل أهل خربة هلال الذين يركبون معي في السيارة عن السيرة ولم أجد استجابة من أحد·· بل كان حديثهم يتمحور حول الصراع بين قريتي خربة هلال وكرمة شيحة، ويتساءل أحدهم كيف أن تلك القرية الصغيرة جدا تستحوذ على مقر البلدية في حين أن خربة هلال بكبرها وشوارعها المتعددة لا يوجد فيها سوى فرع بلدي صغير جدا ومستوصف لا يزوره الممرض إلا مرة في الشهر فقط، مما يجعل المرضى من المنطقة الذين يذهبون إلى الطبيب في قصر البخاري يطلبون منه أن يعطيهم حبوبا عوض الحقن التي لا يمكن لهم استعمالها·

البخاري
Admin
Admin

عدد المساهمات : 318
نقاط : 551
تاريخ التسجيل : 11/12/2008

http://www.boukhari.nojoumarab.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: القلب معمّر والراس مدمّر

مُساهمة  البخاري في السبت فبراير 14, 2009 3:38 am

استولى الضباب بشكل شبه كلي على تلك المنطقة المرتفعة وشعرنا كأننا في الليل والساعة لم تتجاوز الرابعة مساء إلا قليلا·

كان في كرمة شيحة أطفال وبنات يملؤون قارورات الماء من المنابع ومعهم أحمرة في مشهد مكرر، وهناك قارورات غاز مرمية أمام كوخ·· وقاعة صغيرة جدا مكتوب عليها عبارة ''دار البلدية'' وقيل لي بأن ذلك المبنى الصغير وهو مقر البلدية الذي أغلقة المتظاهرون قبل يومين من تنقلنا إلى المكان، وهناك مبنى الإعدادية الذي مازال في طور الإنجاز، إضافة إلى بعض البنايات الأخرى منها واحد قديم وقد يعود إلى العهد الاستعماري·

وما إن دخلنا إلى القرية التي فيها مقر البلدية حتى خرجنا منها لأنه أصغر مما كنا نتصور، لم يكن فيها زيادة على الديار القليلة سوى مشروع بناء خمسين سكن في طور الإنجاز وأكواخ متناثرة هنا وهناك، تحجبنا عنها الكتل الضبابية الكثيفة وشيئا فشيئا أصبحت الرؤية شبه منعدمة، وأجبر السائق على السير ببطء في ذلك الطريق الصغير المليئ بالمنعرجات·· كنا نسير وعندما وصلنا مكانا قيل بأنه مكان تهيئة المزبلة، وكانت التغطية الهاتفية منعدمة· وعندما سألت عن الهاتف في المنطقة قيل لي بأنه لا يوجد في كرمة شيحة إلا خطان هاتفيان يتيمان، واحد لمقر البلدية والآخر للثانوية الصغيرة المتواجدة هناك، وعندما تساءلت إن كان هناك خط آخر لفرقة الدرك الوطني أجابوني أن الدرك الوطني لا وجود له هناك ، وإنما هم تابعون إلى فرقة أولاد عنتر الموجود فيه مقر الدائرة، وذكروني بأن الهاتف الثابت رغم ندرة الخطوط لم تستفد منه المنطقة إلا قبل سنة فقط، أما الهوائي الخاص بإحدى شركات الهاتف النقال فلم يبدأ تشغيله إلا قبل أشهر معدودات ورغم هذا فإن الكثير من المناطق لا توجد فيها تغطيات إلا للهواتف المتصلة مباشرة بالأقمار الاصطناعية، أما في خربة هلال التي لم نصلها بعد وكنا على مشارفها، فقد علمنا قبل وصولنا إليها أنها تتوفر على بعض محلات ''الطاكسيفون'' فتحت مباشرة بعد رقمنة الهاتف، ولها زبائن دائمون خاصة من الشباب الذين يؤدون الخدمة الوطنية، القادمون من الثكنات الموجودة هناك·

كانت الطريق مليئة بالحفر التي ملئت بـ''التوفنة''، وأخبرت أن الأمر تم عند زيارة السيد والي ولاية المدية في المدة الأخيرة لتلك المنطقة النائية، فقد كانت تلك الطريق مليئة بالحفر التي تنهك السيارات وتجعل المسير عليها صعبا للغاية، وما إن سمع المسؤولون المحليون بأن الوالي ينوي زيارة تلك البلدية بضواحيها حتى ملئت الحفر في ظرف قياسي بمادة ''التوفنة'' وهو الإجراء الذي جعل السرعة تتحسن على تلك الطريق، لكنه تحسن كاذب فسرعان ما تعود الحفر القديمة إلى الظهور وتعود معاناة أصحاب السيارات من جديد·

عود إلى بدء

كان كل شيء يبدو بدائيا وكان الضباب الكثيف يملأ الطريق، وكانت الكاسيطة نفسها تدور وتعود إلى المقطع الذي يقول ''القلب معمر والراس مدمر·· خليها على الله هو اللي يدبّر''، وكان الراكبون منسجمون معها وكأنها تعبر عن لسان حالهم من الميزيرية التي تملأ حياتهم، عندما أشار لي السائق عبد الحق أننا وصنا أخيرا إلى خربة هلال بدون أن نقرأ إشارة واحدة تدل على ذلك·· كنت أنظر إلى الخربة التي قيل لي بأنها سميت كذلك لأن البلدة شيدت على أطلال آثار قديمة قد تعود إلى العصر الروماني، مثلها مثل الكثير من البلدات التي تحمل نفس التسمية، وكان السائق وهو ابن البلدة ومن معه يقولون لي: أنظر وقارن بين خربة هلال وكرمة شيحة·· أيهما أحق باحتضان مقر البلدية·· هل ''الخربة'' المتعددة الشوارع والتي لها خمسة مداخل أم ''الكرمة'' تلك البلدة الصغيرة جدا والتي لا تملك إلا مدخلين فقط؟·

البخاري
Admin
Admin

عدد المساهمات : 318
نقاط : 551
تاريخ التسجيل : 11/12/2008

http://www.boukhari.nojoumarab.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى