الترغيب في القضاء بالحق(تابع للموضوع)...

اذهب الى الأسفل

الترغيب في القضاء بالحق(تابع للموضوع)...

مُساهمة  البخاري في السبت ديسمبر 20, 2008 6:09 pm

‏أما مجلس القاضي فإنه ينبغي أن يكون في المسجد وكره الشافعي أن يكون في المسجد وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز . قال مالك القضاء في المسجد من الحق والأمر القديم ; لأنه يرضى بالدون من المجلس ويصل إليه الضعيف والمرأة ولا يحجب عنه أحد قال الشيخ أبو محمد واحتج بعض أصحابنا في ذلك بقوله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إلى قوله فاحكم بيننا بالحق وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى في المسجد . ‏
‏( فرع ) ويستحب أن يجلس من المسجد في رحابه الخارجة . قال مالك ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض . قال وحيثما جلس القاضي المأمور أجزأه . قال أشهب في المجموعة ولا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب , وأحب إلي أن يقضي حيث جماعة الناس وفي المسجد الجامع . قال سحنون قال غيره إلا أن يدخل عليه في ذلك ضرر لكثرة الناس حتى يشغله ذلك عن النظر والفهم فليكن له موضع في المسجد يحول بينه وبين من يشغله واتخذ سحنون بيتا في المسجد فكان يقعد فيه للناس . ‏
‏( مسألة ) ولا ينبغي أن يقضي في الطريق في ممره إلى المسجد أو إلى غير ذلك إلا أن يكون أمر عرض واستغيث إليه فيه فلا بأس أن يأمر فيه وينهى فأما الحكم الفاصل فلا قاله مطرف وابن الماجشون . قال أشهب في المجموعة لا يقضي القاضي وهو يمشي , وقال أيضا لا بأس أن يقضي وهو يمشي إذا لم يشغله ذلك ولا بأس أن يقضي وهو متكئ . ‏
‏( مسألة ) ولا تقام الحدود في المسجد ولا الضرب الكثير إلا اليسير كالخمسة أسواط والعشرة ونحوها قاله مالك في الموازية والمجموعة وكتاب ابن سحنون , ووجه ذلك أن الحدود تباشر سيلان الدم والتأثير في الأجسام , والمساجد موضوعة للتأمين والرحمة فيجب أن تنزه عن مثل هذا . ‏
‏( مسألة ) قال مطرف وابن الماجشون ويتخذ القاضي أوقاتا يجلس فيها للناس على ما هو أرفق به وبالناس وليس بالضيق عليه حتى يصير كالأجنبي ولا ينبغي أن يجلس بين العشاءين ولا في الأسحار إلا أن يحدث في تلك الأوقات ويرفع إليه أمر لا بد منه فلا بأس أن يأمر في تلك الساعة وينهى ويسجن فأما على وجه الحكم مما شخص فيه الخصوم فلا , وقال أشهب في المجموعة ولا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء فمعنى قول ابن الماجشون ومطرف أنه ليس عليه الجلوس ذلك الوقت ولا إشخاص الخصوم إليه في الأمور التي فيها إحضار الخصوم وتقييد المقالات وإحضار البينات ; لأنها أمور لا تفوت ويلحق المطلوب بذلك المشقة في الخروج عن العادة , وأما الأمور التي يخاف فواتها ويطرأ منها ذلك الوقت ما تدعو الضرورة إلى النظر فيه فيلزمه ذلك ومعنى قول أشهب أنه أباح له النظر بين المغرب والعشاء ; لأن ترك ذلك حق من حقوقه فإذا أراد النظر ذلك الوقت فذلك مباح له والقول الأول أظهر لما في ذلك من الضرر بما يدعى في ذلك الوقت إلى ما لا يخاف فواته , وقد شرعت الآجال في القضاء بالحقوق والإمهال واستقصاء الحجج وذلك ينافي القضاء بالليل وفي وقت يشق نقل البينات والتفرغ للإدلاء بالحجج مع ما في ذلك من الخروج عن العادة في عمل القضاة ولا يكاد يفعل ذلك إلا على وجه التضييق على المطلوب والمسارعة إلى الحكم للطالب . ‏
‏( مسألة ) وليس عليه أن يتعب نفسه فيقضي النهار كله قاله في المجموعة . قال في العتبية وليقعد للناس في ساعات من النهار , وقال مالك في الموازية إني أخاف أن يكثر فيخطئ . قال في المجموعة يكره للقاضي أن يقضي إذا دخله هم أو نعاس أو ضجر شديد وفي غير هذا الموضع أو جوع يخاف على فهمه منه الإبطاء أو التقصير وفي العتبية عن مالك أنه ليقال لا يقضي القاضي وهو جائع ولا أن يشبع جدا فإن الغضب يحضر الجائع , والشبعان جدا يكون بطيئا إلا أن يكون الأمر الخفيف الذي لا يضر به في فهمه , ووجه ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقضي القاضي وهو غضبان فكل حالة منعته من استيفاء حجج الخصوم كما يمنعه الغضب كان له حكمه في المنع من ذلك والله أعلم . ‏
‏( مسألة ) وقوله ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه يريد والله أعلم أن يكون أحدهما أعلم بمواقع الحجج وأهدى إلى إيراد ما يحتاج من ذلك وأشد تبيينا لما يحتج به . قال أبو عبيدة اللحن بفتح الحاء الفطنة واللحن بإسكان الحاء الخطأ في القول تعلق بعض أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فأقضي له على نحو ما أسمع منه في أن القاضي لا يقضى بعلمه وهذا التعلق ليس بالبين ; لأنه لا يقضي القاضي بما سمع منه مع علمه بخلافه على قول من يثبت حكمه بعلمه ولا على قول من ينفيه , فأما من يقول إنه يقضي بعلمه فإنه ينفذ ما علمه ولا ينظر إلى حجة الخصم ولا إلى ما شهد به عنده مما يخالف ذلك , وأما من يمنع الحكم بعلمه فإذا اقتضت حجته أو ما شهد به بينهما خلاف ما علمه من الأمر امتنع من الحكم في ذلك وشهد عنده غيره بما في علمه . ‏
‏( مسألة ) إذا ثبت ذلك فالمشهور من مذهب مالك أن الحاكم لا يحكم في شيء أصلا بعلمه علمه قبل ولايته أو بعدها في مجلس حكم غيره في حقوق الآدميين أو غيرها قاله مالك وابن القاسم وأشهب قالوا وكذلك ما وجد في ديوانه من إقرار الخصوم مكتوبا , وجوز ابن الماجشون وأصبغ وسحنون أن يحكم الحاكم بعلمه وبه قال أبو حنيفة والشافعي على اختلافهم في تفصيل ذلك والدليل على ما نقوله قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فيقتضي العموم أن يجلد وإن علم الحكم بصدقه وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ملاعنة لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه , وقال عبد الله بن عباس تلك امرأة كانت تظهر السوء وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين , وإن كان علم كفرهم لما انفرد بذلك ومن جهة المعنى أن الحاكم لما كان غير معصوم منع من الحكم بعلمه ليبعد عن التهمة وتعلق ابن الماجشون في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم فأقضي له على نحو ما أسمع منه فعلق القضاء بما يسمع وتأوله مالك رحمه الله على ما يسمع منه من اهتدائه إلى مواقع حجته وعجز الآخر عن إيراد ما يعتضد به , ولذلك قال في أول الكلام فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم قال فأقضي له على نحو ما أسمع منه وما علمه الحاكم ليس بموقوف على ما يسمع ممن يقضي له بل قد يعلم من حقوقه ما لا يسمعه منه ويسمع منه ما لا يعلمه , وهو صلى الله عليه وسلم إنما علق الحكم بما يسمع منه فثبت بذلك وبقوله فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أنه إنما يقضي له بما بينه في خصومته لمعرفته بمواقع حججه من الحقوق التي تلزم الحاكم القضاء له بها ولعله غير مستحق لها . ‏
‏( فرع ) فإذا قلنا بقول ابن الماجشون ومن تابعه من أصحابنا فإنه إنما يحكم بعلمه فيما جرى بين المتخاصمين في مجلس نظره خلافا لأبي حنيفة في قوله يحكم بعلمه في حقوق الآدميين مما علمه بعد القضاء خاصة وللشافعي في تجويزه ذلك على الإطلاق والدليل على ما نقوله أن هذا حكم بدعوى دون بينة ولا يمين فوجب أن لا يصح ; لأن الشرع إنما قدر الحكم بأحدهما . ‏
‏( فرع ) وإذا قلنا لا يحكم بعلمه فحكم بعلمه وسجل فقد قال القاضي أبو الحسن لا ينقض حكمه عند بعض أصحابنا قال القاضي أبو الوليد وعندي أنه ينقض حكمه . ‏
‏( فصل ) وقوله فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار معناه والله أعلم أن قضاءه له بشيء من حق أخيه لما سمع منه من إظهار حجة أوجبت له ذلك من دعوى باطل عجز المحق عن إنكاره أو إنكار حق عجز المحق عن إثباته فإن ذلك لا يملكه من حكم له به ولا يبيحه له , وإنما يعطيه قطعة من النار يريد - والله أعلم - قطعة من العذاب كقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا يعني - والله أعلم - ما يعذبون عليه بالنار , وقد يوصف الشيء بما يئول إليه ويكون سببا له , ولذلك يوصف الشجاع بالموت قال الشاعر يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا وجها ينجيكم إني أنا الموت فوصف نفسه بأنه الموت يريد أنه سبب بشجاعته وقلة سلامة من يحاربه من الموت . ‏
‏( مسألة ) إذا ثبت ذلك فإن حكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يغيره عن حقيقته مثال ذلك أن يقيم الرجل شاهدي زور بأن امرأة أجنبية زوجة له فحكم الحاكم بذلك فإنه لا يحل وطؤها خلافا لأبي حنيفة في قوله إن ذلك يحله , والدليل على ذلك الحديث المتقدم فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من نار وهذا يقتضي أنه إذا شهد له بزور بأن زوجا طلق زوجته وأن هذا تزوجها بعده إنما يقطع له الحاكم بذلك قطعة من النار ; لأنه قد قضى له بحق هو لأخيه والله أعلم .

البخاري
Admin
Admin

عدد المساهمات : 318
نقاط : 551
تاريخ التسجيل : 11/12/2008

http://www.boukhari.nojoumarab.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى